يمثّل المرسوم الرئاسي رقم 25-320 المؤرخ في 30 ديسمبر 2025 نصًا تأسيسيًا في مسار التحول الرقمي في الجزائر، ليس فقط من حيث تنظيم الجوانب التقنية لتسيير البيانات، بل من حيث إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والبيانات باعتبارها موردًا سياديًا واستراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو المالية.
فهذا المرسوم يؤسس رسميًا لما يمكن تسميته “الدولة المبنية على البيانات” (Data-Driven State)، وينقل العمل العمومي من منطق الإدارة الورقية أو الرقمية المجزأة إلى منطق الحوكمة الشاملة للبيانات.
أولًا: من المعلومة التقنية إلى الأصل السيادي
تحوّل نوعي في فلسفة التشريع
أبرز ما يميّز هذا النص هو انتقال المشرّع الجزائري من التعامل مع البيانات بوصفها مجرد مخرجات لأنظمة معلوماتية إلى اعتبارها أصولًا استراتيجية تتطلب قواعد حوكمة واضحة، تشمل الإنتاج، الاستعمال، الحماية، والتبادل.
ويبرز هذا التحول من خلال ضبط مفاهيم مركزية بدقة قانونية:
مصدر البيانات: لم يعد مجرد “منتج تقني”، بل أصبح مسؤولًا قانونيًا عن جودة البيانات، مصداقيتها، تحديثها، تصنيفها وفهرستها، ما يعكس إرساء مبدأ المسؤولية المؤسساتية عن البيانات.
مستخدم البيانات: تم تقييد الاستعمال بالغرض الوظيفي المحدد، وهو ما يكرّس مبدأ الاستعمال المشروع والموجّه للبيانات العمومية.
استغلال البيانات: توسّع المفهوم ليشمل كامل دورة حياة البيانات، من التسجيل إلى الحفظ والتشفير، بما يعكس وعيًا تشريعيًا بأهمية التحكم في القيمة المضافة للبيانات وليس فقط في تخزينها.
هذا البناء المفاهيمي يعكس إدراكًا متقدمًا بأن السيادة الرقمية لا تتحقق عبر البنية التحتية فقط، بل عبر القواعد التي تحكم إنتاج وتداول المعلومة داخل الدولة.
ثانيًا: النظام الوطني للتشغيل البيني، العمود الفقري لمسار الرقمنة:
يُعد النظام الوطني للتشغيل البيني الركيزة التقنية والقانونية الأهم في هذا المرسوم، إذ يعالج أحد أعطاب الإدارة العمومية المزمنة: تشتّت البيانات وعزل الأنظمة المعلوماتية.
وقد جاء هذا النظام ليؤسس لمنطق جديد يقوم على:
- إرساء إطار حصري وموحّد لتبادل البيانات الرقمية بين المؤسسات والإدارات العمومية، بما ينهي الممارسات العشوائية أو الثنائية.
- ضمان تدفّق آمن ومنظم للبيانات، يسمح بتقليص الازدواجية، تحسين الخدمات العمومية، وتسريع اتخاذ القرار.
- الاعتماد على شبكة وطنية مؤمّنة ومغلقة، منفصلة عن الإنترنت، وهو خيار سيادي يعكس إدراكًا لمخاطر الاعتماد على البنى المفتوحة في التعامل مع البيانات الحساسة.
بهذا، تنتقل الرقمنة في الجزائر من رقمنة الإجراءات إلى رقمنة الدولة كوحدة واحدة، حيث تصبح البيانات مشتركة لكن مضبوطة، ومتاحة لكن محكومة.
ثالثًا: حوكمة أمنية متعددة المستويات
توازن دقيق بين الفعالية والحماية
تميّز المرسوم بإدماج البعد الأمني في صميم منظومة الحوكمة، لا كملحق تقني، بل كشرط بنيوي لنجاح التحول الرقمي، وذلك عبر:
- إلزامية التصنيف والفهرسة وفق مرجع وطني يحدد مستويات الحساسية، بما يسمح بتطبيق مبدأ “الحماية حسب درجة الخطورة”.
- توزيع واضح للاختصاصات:
المحافظة السامية للرقمنة تضطلع بدور القيادة التقنية والتنظيمية.
- المجلس الوطني لأمن الأنظمة المعلوماتية يضمن السلامة الوظيفية للمنظومة.
- السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تراقب احترام الحقوق والحريات الفردية.
هذا التوزيع يعكس مقاربة حوكمة حديثة تقوم على الفصل بين الإنتاج والتنظيم والرقابة، بما يمنع تركّز السلطة الرقمية في جهة واحدة.
كما أن الاستثناءات السيادية المتعلقة بالدفاع، الأمن الوطني، والعدالة، تؤكد أن الانفتاح الرقمي لا يعني التفريط في جوهر السيادة، بل يخضع لحدود واضحة.
وفي الختام يمكن القول أننا نتجه نحو دولة ذكية بمرجعية سيادية
إن المرسوم الرئاسي رقم 25-320 لا يمثّل مجرد إصلاح تقني، بل تحوّلًا بنيويًا في عقل الدولة. فهو يضع الأسس القانونية والمؤسساتية للانتقال من إدارة تعتمد على الوثيقة إلى إدارة تعتمد على البيانات الموثوقة، ومن قرار ظرفي إلى قرار مبني على التحليل والمعطيات.
الجزائر، عبر هذا النص، لا تلتحق فقط بركب التحول الرقمي، بل تسعى إلى صياغة نموذجها الخاص للسيادة الرقمية، يقوم على التحكم في البيانات، تنظيم تدفقها، وحمايتها، باعتبارها رافعة أساسية للاقتصاد الرقمي، التخطيط الاستراتيجي، وجودة السياسات العمومية.
قراءة تحليلية بقلم عبدالرحمان هادف مستشار دولي في التنمية الاقتصادية

